الفرق بين العفو والمغفرة والرحمة

﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 286] ذهب أكثر المفسرين في الفرق بينها فقالوا:

العفو: أن يُسقِط الله عنه العذاب.

أما المغفرة: فأن يسترَ عليه من الفضيحة، والتخجيل؛ بمعنى: واستر علينا زَلَّةً إن أتيناها فيما بينَنا وبينك، فلا تكشِفْها، ولا تفضحنا بإظهارها.

أما الرحمة: فهي إنعامٌ من الله، وكرم منه في زيادة الحسنات، والصَّفْح عن السيئات، وذلك بتثقيل ميزاننا مع إفلاسنا.

وقد جاءت الألفاظ الثلاثة بصيغة الأمر، والأمر من الأدنى إلى الأعلى يُراد به الدعاء.

وهناك أقوال عدَّة تبايَنَت فيها الآراء بتعبيراتٍ جميلة بين المُفسِّرين، نذكر منها على وجه الإيجاز:

• قال الطبري:

الدلالةُ الواضحة أنهم سألوه تيسيرَ فرائضِه عليهم بقوله: ﴿ وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ [البقرة: 286]، لأنهم عقبوا ذلك بقولهم: ﴿ وَاعْفُ عَنَّا ﴾ [البقرة: 286]، مسألة منهم ربَّهم أن يعفوَ لهم عن تقصيرٍ إن كان منهم في بعض ما أمرهم به من فرائضِه، فيصفح لهم عنه، ولا يعاقِبهم عليه، وإن خف ما كلَّفهم من فرائضه على أبدانهم.

وأما قوله: ﴿ وَاغْفِرْ لَنَا ﴾ [البقرة: 286]؛ يعني: واستر علينا زَلَّة إن أتيناها فيما بيننا وبينك، فلا تكشِفْها ولا تفضحنا بإظهارها.

وأما قوله: ﴿ وَارْحَمْنَا ﴾ [البقرة: 286]؛ تغمدنا منك برحمةٍ؛ تُنجينا بها من عقابِك؛ فإنه ليس بناجٍ من عقابك أحدٌ إلا برحمتك إيَّاه دون عملِه، وليست أعمالُنا منجيتَنا إن أنت لم ترحَمْنا، فوفِّقْنا لما يرضيك عنا.

فعنده رحمه الله المغفرةُ: السِّتْرُ عن الذنب، والعفو: عدمُ العقاب على التقصير في الأمر، والرحمة: النجاةُ من العقاب؛ لتحصيل رضا الله تعالى.

• قال الرازي:

… أن العفوَ أن يَسقطُ عنه العقاب، والمغفرة أن يسترَ عليه جُرمَه؛ صونًا له من عذاب التخجيل والفضيحة… إلخ.

وعلى هذا تقرَّر عنده وبيَّن رحمه الله أن الأول: هو العذابُ الجسماني، والثاني: هو العذاب الروحاني، فلما تخلَّص منهما أقبَلَ على طلب الثوابِ، وهو أيضًا قسمان: ثوابٌ جسماني؛ وهو نعيم الجنة ولذاتُها وطيِّباتُها، وثوابٌ روحاني، وغايتُه أن يتجلَّى له نور جلال الله تعالى، ويَنكشِفَ له بقدر الطاقة علوُّ كبرياء الله، وذلك بأن يصير غائبًا عن كل ما سوى الله تعالى.

• بينما يرى النَّسَفي أن العفو عن الكبائر، والمغفرة عن الصغائر، فقال:

﴿ وَاعْفُ عَنَّا ﴾ [البقرة: 286] امحُ سيِّئاتنا ﴿ وَاغْفِرْ لَنَا ﴾ [البقرة: 286] واستر ذنوبَنا.

وبيَّن رحمه الله أنه لا تَكْرارَ بين الاثنين؛ فالأول للكبائر، والثاني للصغائر.

﴿ وَارْحَمْنَا ﴾ [البقرة: 286] بتثقيل ميزاننا مع إفلاسنا.

ونقل قولاً آخر بصيغة “قيل”:

المغفرةُ من المسخ، والعفو من الخسف، والرحمة من الغرق.

وأرى في هذا الرأي تخصيصَ الدعاء في الدنيا من غير دليل، والأولى شمولُه للدنيا والآخرة؛ فرحمةُ الله ومغفرته واسعةٌ على عبده في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 156]، وإن سألتني لمن تكون هذه الرحمة فأقول لك قوله تعالى: ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ [الأنعام: 12] ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 156].

• ونقل لنا ” أبو حيَّان “جملة من الأقوال:

قيل: ﴿ وَاعْفُ عَنَّا ﴾ [البقرة: 286] من المسخ، ﴿ وَاغْفِرْ لَنَا ﴾ [البقرة: 286] عن الخسف من القذف، وقيل:

﴿ وَاعْفُ عَنَّا ﴾ [البقرة: 286] من الأفعال، ﴿ وَاغْفِرْ لَنَا ﴾ [البقرة: 286] من الأقوال، وَارْحَمْنا بثقل الميزان.

وقيل: ﴿ وَاعْفُ عَنَّا ﴾ [البقرة: 286] في سكرات الموت، ﴿ واغْفِرْ لَنَا ﴾ [البقرة: 286] في ظلمة القبر، ﴿ وَارْحمنا ﴾ [البقرة: 286]في أهوال يوم القيامة.

وكل هذه الأقوال تخصيصاتٌ لا دليلَ عليها.

ورد رحمه الله عن كل هذه الأقوال بانها تخصيصاتٌ لا دليل عليها.

• بينما أضاف ابن كثير معنًى جديدًا للرحمة، وعنده أن الرحمة: توفيقٌ من الله في عدم الوقوع في الذنب الآخر مستقبلاً، فقال:

﴿ وَاعْفُ عنَّا ﴾ [البقرة: 286] أي: فيما بينَنا وبينك مما تَعلَمُه من تقصيرنا وزللنا، ﴿ وَاغْفِرْ لَنَا ﴾ [البقرة: 286]أي: فيما بَينَنا وبينَ عبادِك، فلا تظهرْهم على مساوينا، وأعمالنا القبيحة، ﴿ وَارْحَمْنَا ﴾ [البقرة: 286] أي: فيما يُستقبَلُ؛ فلا توقعنا بتوفيقِك في ذنب آخر.

ولهذا؛ قالوا: إن المذنبَ محتاجٌ إلى ثلاثة أشياء: أن يعفوَ الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يسترَه عن عباده فلا يفضَحه به بينهم، وأن يعصمَه فلا يُوقِعَه في نظيره.

تنبيه:

بقي لنا تنبيهٌ آخر هي هذه الآية الكريمة؛ وهو أن الله تعالى لم يذكر هاهنا لفظ ﴿ رَبَّنَا ﴾ [البقرة: 286] كبقية الأدعية السابقة، والجواب عند الإمام الرازي رحمه الله فقال:

النداءُ إنما يحتاجُ إليه عند البُعْدِ، أما عند القرب فلا، وإنما حذف النداء إشعارًا بأن العبد إذا واظَبَ على التضرع نال القُرْب من الله تعالى، وهذا سرٌّ عظيمٌ يطلع منه على أسرار أُخَرَ.

وأقول في آخر المطاف: أسأل الله أن يجعلَنا من الذين يَحقُّ فيهم قوله تعالى: ﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾[البقرة: 286].